الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المذكور في هذه وفي التي قبلها يوما واحدا ، وكانت هذه الجملة تعدادا لمنّة أخرى ، وكان فصلها عن التي قبلها جاريا على سنن الجمل التي تساق للتعداد في منّة أو توبيخ ، ولأجل ذلك : أعيد لفظ الْيَوْمَ ليتعلّق بقوله أَكْمَلْتُ ، ولم يستغن بالظرف الذي تعلّق بقوله : يَئِسَ فلم يقل : وأكملت لكم دينكم . والدّين : ما كلف اللّه به الأمّة من مجموع العقائد ، والأعمال ، والشرائع ، والنظم . وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ في سورة آل عمران [ 19 ] . فإكمال الدين هو إكمال البيان المراد للّه تعالى الذي اقتضت الحكمة تنجيمه ، فكان بعد نزول أحكام الاعتقاد ، التي لا يسع المسلمين جهلها ، وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام - التي آخرها الحجّ - بالقول والفعل ، وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام الإسلامي ، كان بعد ذلك كلّه قد تمّ البيان المراد للّه تعالى في قوله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] وقوله : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] بحيث صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنّة ، كافيا في هدي الأمّة في عبادتها ، ومعاملتها ، وسياستها ، في سائر عصورها ، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها ، فقد كان الدين وافيا في كلّ وقت بما يحتاجه المسلمون . ولكن ابتدأت أحوال جماعة المسلمين بسيطة ثمّ اتّسعت جامعتهم ، فكان الدين يكفيهم لبيان الحاجات في أحوالهم بمقدار اتّساعها ، إذ كان تعليم الدين بطريق التدريج ليتمكّن رسوخه ، حتّى استكملت جامعة المسلمين كلّ شؤون الجوامع الكبرى ، وصاروا أمّة كأكمل ما تكون أمّة ، فكمل من بيان الدين ما به الوفاء بحاجاتهم كلّها ، فذلك معنى إكمال الدين لهم يومئذ . وليس في ذلك ما يشعر بأنّ الدين كان ناقصا ، ولكن أحوال الأمّة في الأمميّة غير مستوفاة ، فلمّا توفّرت كمل الدين لهم فلا إشكال على الآية . وما نزل من القرآن بعد هذه الآية لعلّه ليس فيه تشريع شيء جديد ، ولكنّه تأكيد لما تقرّر تشريعه من قبل بالقرآن أو السنّة . فما نجده في هذه السورة من الآيات ، بعد هذه الآية ، ممّا فيه تشريع أنف مثل جزاء صيد المحرم ، نجزم بأنّها نزلت قبل هذه الآية وأنّ هذه الآية لمّا نزلت أمر بوضعها في هذا الموضع . وعن ابن عباس : لم ينزل على النبي بعد ذلك اليوم تحليل ولا تحريم ولا فرض . فلو أنّ المسلمين أضاعوا كلّ أثارة من علم - والعياذ باللّه - ولم يبق بينهم إلّا القرآن لاستطاعوا الوصول به إلى ما يحتاجونه في أمور دينهم . قال الشاطبي : « القرآن ، مع اختصاره ، جامع ولا يكون جامعا إلّا والمجموع فيه أمور كلّية ، لأنّ الشريعة تمّت بتمام